محمد المختار ولد أباه
84
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
على تبيان تلك القواعد استقراء من سماع فصيح اللغة ، وعلى توضيح علل أقيستها وإبراز العوامل المؤثرة في إعرابها . ولقد سبق أن أشرنا إلى دور ابن أبي إسحق الحضرمي في مدّ القياس وشرح العلل ، وهو ما عنينا به تثبيته للقياس الأصلي والنظيري في اللغة ، وهذا هو النسق الذي شبهه الخليل بالبناء المحكم . ثم إن الخليل تجاوز ما أقره سابقوه فجاء بفكرة القياس التعليلي . لقد نظر إلى اللغة نظرة شمولية فافترض أن قواعدها معللة بأسباب معقولة . فمن هذه القواعد الأصلية ، أن الإعراب مقيس في الأسماء ، وأن البناء مقيس في الأفعال . وأن هذه القاعدة لا تتغير إلا لعلة عارضة مثل شبه الاسم بالحرف ، وشبه الفعل بالاسم « 1 » ، ومنها أن التعريف لا يحتاج إلى أداتين ، من أجل ذلك امتنع أن نقول « يا الغلام » لأن النداء وحده في معنى التعريف « 2 » . ومنها أيضا أنه لا يجوز لك أن تندب من لا تعرف ، فامتنع أن يندب المنكور لأنه مبهم « 3 » . ومن هذه القواعد القياسية امتناع العطف على جزء من الكلمة ، مما يجر إلى منع العطف على ضمير الرفع المتصل ، فلا يجوز عنده قول : « فعلت وعبد اللّه » لالتصاق الضمير بالفعل ، وإحداثه تغييرا في بنية الكلمة ، بإسكان اللام فيها ، فصارت مع الضمير كلمة واحدة « 4 » . لكنه صح أن يقال : « ما أشركنا ولا آباؤنا » ، بسبب الفصل ب « لا » بين الفعل والمعطوف . واعتبارا لهذه القاعدة منع الخليل العطف على ضمير الخفض دون إعادة الخافض قائلا إن الضمير هنا بمثابة التنوين « 5 » ، وهي من المسائل التي خالفه فيها ابن مالك إذ يقول في الخلاصة في باب العطف .
--> ( 1 ) الزجاجي : الإيضاح ، ص 77 . ( 2 ) سيبويه : الكتاب ، ج 2 ص 197 . ( 3 ) سيبويه : الكتاب ، ج 2 ص 228 . ( 4 ) المصدر والصفحة نفسهما . ( 5 ) سيبويه : الكتاب ، ج 2 ص 378 .